تعرض المواطن/ عماد شائع محمد عز الدين السلطان احد ابناء محافظة ريمة ، للاعتقال التعسفي والاختطاف من شارع بينون بالعاصمة صنعاء، في تمام الساعة الحادية عشرة من صباح الخميس، 14 أغسطس 2025. واقتيد الضحية مكبلاً من قبل قوة أمنية تابعة لجهاز الأمن والمخابرات التابع لسلطة الأمر الواقع (الحوثيين)، وهو في حالة صحية خاصة تضاعف من فداحة الانتهاك؛ إذ يجمع الضحية —وهو شقيق الزعيم القبلي البارز “شيخ مشايخ محافظة ريمة” ورئيس نيابة استئناف محافظة ذمار، القاضي عنان شائع السلطان— بين الإعاقة الذهنية والإصابة بشلل نصفي علوي أدى إلى عجز تام في إحدى يديه.
ومنذ لحظة اعتقاله، عُزلت القضية خلف سياج من السرية المطلقة، حيث خضع الضحية لمحاكمة استثنائية غُيبت عنها أسرته قسرياً، ولم تُحط علماً بتفاصيل الجلسات أو المسارات القانونية المتخذة بحقه، في تجاهل تام لظروفه الجسدية والعقلية، ولقواعد الحماية القانونية التي تمنع مساءلة الأشخاص غير المؤهلين ذهنياً وجسدياً.
في غضون الأشهر الأربعة الأولى من احتجازه، استخلصت السلطات اعترافات قسرية من الضحية تحت سطوة الإجبار والتلقين، ووثقتها في مقطع فيديو لم يتم بثه إلا في الـ29 من أبريل الماضي. ويظهر بوضوح من خلال سياق الحديث أن الضحية كان يُملى عليه ما يقوله ليُصنف ضمن ما وصفته الجهات الأمنية هناك بـ”خلايا التخابر التابعة لشبكة التجسس التابعة للمخابرات الأمريكية والإسرائيلية والسعودية”، في اتهامات بدت مُعدة مسبقاً لربطه و16 شخص بأنشطة رصد لقيادات ومواقع عسكرية “حساسة”.
وعلى الرغم من افتقار القضية لأي ركائز قانونية، استندت المحكمة الجزائية المتخصصة بأمانة العاصمة (تابعة للحوثيين) يوم السبت 22 نوفمبر 2025م في حكمها الجائر بالإعدام إلى “دليل” يثير التساؤلات حول نزاهة المسار القضائي؛ حيث ارتكز الحكم على محتوى هاتفين ذكيين أثبتت التحقيقات أنهما لا يتبعان شائع ولم يكونا بحوزته مطلقاً وقت الاعتقال. فكل ما في الأمر أن اسم “عماد” ورد في محادثة كتابية بين طرفين غريبين، لم يكن هو طرفاً فيها ولا مرسلاً أو مستقبلاً لأي من رسائلها، ومع ذلك اعتبرت المحكمة هذا الورود العابر للاسم دليلاً كافياً لإزهاق روحه.
إن “ريمة لحقوق الإنسان”، وإذ تؤكد عدم صلة شائع بالهاتفين المذكورين، تشدد على فداحة هذا الانتهاك؛ فمن الصادم قانونياً وأخلاقياً أن يُساق رجل في أواخر الأربعينات، ومسجل طبياً كـ”معتل عقلياً”، إلى منصة الإعدام بناءً على محادثات بين أطراف أخرى، متجاهلين تماماً تدهور حالته الصحية وعدم أهليته القانونية، مما يحول العملية القضائية إلى مجرد واجهة لإصدار أحكام قتل مُمنهجة وتفتقر لأدنى معايير المنطق.
عوضاً عن الاكتفاء بتهم “التجسس” المزعومة—التي أثارت تحفظات حتى لدى بعض جهات إنفاذ القانون لافتقارها للأدلة—اتجهت المحكمة الحوثية في صنعاء نحو مسار أكثر تنكيلاً عبر إثقال ملف الضحية بسياقات جنائية مُستحدثة؛ حيث ادعت المحكمة ارتكاب عماد شائع لجريمة “قتل عمد” في محاولة لشرعنة حكم الإعدام الصادر بحقه. غير أن المثير للريبة والدهشة يكمن في توجيه تهمة ضلوعه في هجمات جوية وقعت على بعض المباني في سبتمبر 2025، وهي وقائع حدثت بينما كان شائع يرسف في أغلاله داخل المعتقل وفي شهره الثاني من السجن. إن هذا التناقض الصارخ الذي ينسب لمعتقلٍ جريمةً وقعت وهو تحت قبضة ساجنيه، يكشف بوضوح عن غياب المنطق القانوني واستخدام القضاء كأداة للبطش السياسي بعيداً عن أدنى معايير الواقعية أو العدالة.
تشير الوثائق والشهادات الميدانية إلى أن عماد شائع يعاني من اعتلال عقلي حاد وتدهور في قواه الذهنية منذ أكثر من عقدين، مما يجعله فاقداً للأهلية القانونية الكاملة. وتؤكد تقارير طبية رسمية تعود لمطلع عام 2006، صادرة عن لجنة طبية ضمت نخبة من كبار أطباء المخ والأعصاب والجراحة العامة في اليمن، أن حالة الضحية العقلية غير مستقرة وتتطلب رعاية خاصة لا احتجازاً وتعذيباً.
وفي إطار البحث في الموضوع، أجرت “ريمة لحقوق الإنسان” ست مقابلات منفصلة مع شهود عيان عايشوا الضحية عن قرب؛ حيث أجمعوا في شهاداتهم على أن حالته العقلية لم تشهد أي تحسن، بل تفاقمت بفعل الظروف القاسية التي تمر بها البلاد. وأكد الشهود أن الاضطرابات النفسية التي يعاني منها عماد هي حقيقة “مُشاعة” يعرفها القاصي والداني في محيطه الاجتماعي.
يقول أحد الشهود (في الثلاثينيات من عمره) واصفاً واقع الحال:إن ما يُتداول عن صحة عماد العقلية ليس جديداً، لكننا نذكر به لهول ما يمر به. يكفي أن تسأل جيرانه أو الباعة في منطقته، وسيجمع الكل على إجابة واحدة: عماد معتل عقلياً. هو الشخص الوحيد الذي لا يلتفت أحد لآرائه السياسية أو كلامه العفوي مهما بلغت حدته، لأن الجميع يدرك وضعه الصحي؛ لكن ” المحزن أن الحوثيين تعاملوا مع تلك الهذيان بجدية انتقامية واتخذوها ذريعة لانتزاع روحه”.
علاوة على ذلك، مَثل عشرات الرجال من المشايخ والأعيان أمام الشعبة الجزائية المتخصصة كشهود إثبات، مؤكدين بتفاصيل حيّة تدهور الحالة العقلية لعماد بناءً على تعاملاتهم اليومية معه، وما لمسوه من سلوكيات تقطع بانعدام أهليته القانونية الكاملة بصفته “معاقاً ذهنياً”. ورغم تظافر هذه الأدلة، من تقارير طبية مرجعية صادرة عن كبار المتخصصين وشهادات ميدانية حديثة تجمع على تفاقم اعتلاله، إلا أن المحكمة الحوثية لم تلتفت لهذا السياق المُثبت؛ بل عمدت السلطات إلى الالتفاف على الحقائق عبر استصدار “قرار طبي نفسي” من إدارة الطب الشرعي والنفسي التابعة للنيابة العامة الخاضعة لسيطرتها، في محاولة لتطويع التوصيف الطبي لصالح الإدانة الجنائية وتجاوز الموانع القانونية التي تحول دون معاقبة فاقدي الأهلية.
تتجاوز هذه المحاكمة حدود “الخطأ القضائي” لتتحول إلى سلسلة من التلفيقات الممنهجة والمفضوحة؛ فإلى جانب الادعاء السريالي بضلوع شائع في وقائع حدثت في سبتمبر 2025—وهي وقائع جرت والضحية يقبع فعلياً في معتقلاتهم وفي عهدتهم—أضيفت تهمة “القتل العمد” لتكون غطاءً جنائياً يُراد منه إضفاء طابع “الحق الخاص” لتصعيب أي تسويات حقوقية مستقبلاً. إن تزاوج هذه التلفيقات، بدءاً من اختلاق الجرائم العابرة للحدود وصولاً إلى تزييف التهم الجنائية ، يؤكد أن الحكم لم يُبنَ على وقائع حقيقية، بل على رغبة جامحة في إثقال ملف الضحية لإغلاق كل أبواب النجاة أمامه، في تجسيد صارخ لغياب النزاهة واستهداف شخص فاقد للأهلية بتهم لا يمكن لمنطق أو واقع أن يصدقها.
إن هذه الشهادات والتقارير الطبية تقطع بوضوح بأن محاكمة شخص في وضع عماد الصحي لا تمثل انتهاكاً صارخاً للمنطق الإنساني فحسب، بل هي جريمة قانونية تضرب بعرض الحائط كافة المواثيق؛ إذ تنص المادة (33) من قانون الجرائم والعقوبات اليمني على انعدام المسؤولية الجزائية عمن يعاني اضطراباً يفقدة الإدراك أو الإرادة، وهو ما يتسق مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (CRPD) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، اللذين يحظران بشكلٍ قاطع تنفيذ عقوبة الإعدام بحق ذوي الإعاقات العقلية والذهنية. إن المضي في هذا الحكم ضد رجل أثبتت التقارير الطبية فقدانه للأهلية منذ عقدين، يضع سلطة الأمر الواقع بصنعاء في مواجهة مباشرة مع القوانين الوطنية والدولية، ويحول هذه الإجراءات إلى عملية تصفية جسدية مُمنهجة خارج نطاق القانون والعدالة.
وفي تطور لافت يعكس حجم الضغوط والتدخلات التي شابت هذا الملف، شهدت الأيام القليلة الماضية انسحاباً جماعياً لهيئة الحكم؛ فقبل أسبوع من صدور هذا التقرير، أعلن القاضي محمد مفلح تنحيه عن القضية لما وصفه بـ “استشعار الحرج”. وتلا ذلك، بحسب ما تحققت منه “ريمة لحقوق الإنسان”، تنحي القاضيين البارزين حسين العزي وعبدالله النجار، وهما عضوان في الشعبة الجزائية المتخصصة ذاتها. إن هذا الانسحاب المتزامن للقضاة الثلاثة يضع علامات استفهام حول استقلالية المحكمة، ويؤكد أن إجراءات محاكمة عماد شائع كانت تُدار تحت وطأة ضغوط هائلة مارستها جهات أمنية نصبت نفسها سلطة فوق القضاء، مما جرد المحاكمة من أدنى معايير النزاهة وحوّلها إلى مجرد أداة لتنفيذ إرادة سياسية وأمنية مسبقة.





















