قبل ستة أيام فقط، وتحديداً في الرابع عشر من أبريل 2026، أصدر محافظ ريمة في سلطات الحوثيين فارس الحباري قراراً بتعيين “ضياء المغربي” مديراً لمستشفى الثلايا العام. المغربي هو العاشر منذ تولي الحباري المحافظة في يونيو 2018. عشرة مدراء في ثماني سنوات. بعضهم لم يمكث في منصبه أكثر من شهرين. وهذا السؤال الذي يطرح نفسه بقوة مع كل تعيين جديد: لماذا كل هذا التناوب السريع على إدارة المستشفى الوحيد الذي يخدم أكثر من 600 ألف شخص في محافظة ريمة؟ وهل سيكون المصير نفسه الذي ينتظر المدير العاشر؟
تعيين جديد.. أسئلة قديمة
مع إعلان تعيين ضياء المغربي، القادم من مركز المغارم الصحي في مديرية كسمة، عادت إلى الأذهان أسئلة لم تجد إجاباتها بعد: هل سيتمكن المدير الجديد من إعادة تشغيل المستشفى، أم أنه سيُجبر على تنفيذ “اشتراطات مسبقة” بالجبايات المالية لصالح النافذين؟ هل ستُصرف موارد المستشفى من المنظمات الإنسانية في تشغيله، أم ستُحول إلى وجهات أخرى كما حدث مع أسلافه؟ وهل سيبقى في منصبه لأكثر من بضعة أشهر، أم سيلحق بمن سبقه الذين غادروا واحداً تلو الآخر؟
تجربة المدراء السابقين ترسم صورة قاتمة. منذ تعيين الحباري محافظاً في 3 يونيو 2018، تناوب على إدارة المستشفى عشرة مدراء، ليزا عوض (كانت موجودة قبل تعيين الحباري واستمرت في عهده) من ثم تم تعيين حسين الثلايا بديلاً عنها ومن ثم تم تعيين علي الراجحي بديلاً عنه ومعاذ نور الدين بديلاً عن الراجحي ومحسن العزيزي بدلاً عن معاذ ومن ثم أبو الفضل المنتصر بديلاً عن العزيزي ومنصور التهامي بديلاً عن المنتصر وخالد الخدري بديلاً عن التهامي وندى جلال بديلاً عن الخدري ليحيل اخيراً ضياء المغربي بديلا عن ندى الجلال حيث عينه فارس الحباري يوم 14 ابريل الجاري كمديراً للمستشفى.
يقول مسؤول مطلع في مكتب الصحة العامة والسكان بالمحافظة ومطلع على مايدور في المستشفى على مدى تعاقب الإدارات: المدراء التسعة السابقين لم يرفضوا الابتزازات، لكنهم لم يستطيعوا تلبية مطالب النافذين كاملة.
مضيفاً :هذا التناوب السريع لم يكن فشلاً إدارياً، بل نظاماً لإعادة توزيع الأدوار في آلة النهب، وتغيير الوجوه كلما اقترب أحد من كشف وقائع الفساد. وكل مدير جديد يأتي ليجد نفسه أمام خيارين: إما أن يكون جزءاً من هذه الآلة، أو يغادر في غضون أشهر.
فاسد يحمي فاسداً
محسن العزيزي (المدير الخامس في القائمة) هو أحد أبرز الأمثلة على هذه الآلية. صدر قرار تعيينه مديراً للمستشفى في 24 مايو 2021، وذلك رغم وجود حكم قضائي وأمر احضار قهري ضده في قضية تتعلق بأموال للغير. وكان يعمل أيضاً رئيساً لجمعية الهلال الأحمر اليمني بالمحافظة، وتحوم حوله شبهات فساد هناك أيضاً.
لكن العزيزي غير من منصبه. ليتم لاحقاً ترقيته إلى منصب مدير عام مكتب الصحة بالمحافظة. لماذا؟ لأن الحباري وفر له الحماية الكاملة مقابل الأموال التي كان يجنيها من القطاع الصحي. وعندما انتهت الحاجة إليه، غادر في ظروف غامضة إلى جهة غير معلومة. ثم صدر قرار من فارس الحباري في 18 أكتوبر 2025 بتعيين الدكتور وليد الحارسي قائماً بأعمال مدير مكتب الصحة.
في فترة تولي العزيزي لمكتب الصحة، تعرض العشرات من العاملين الصحيين للتغيير والفصل لمجرد رفضهم تمرير مخالفات في القطاع الصحي. أما من تحدث منهم علناً، فقد تم اعتقاله بأمر من العميد/ حاشد الحباري ، شقيق المحافظ ومدير أمن المحافظة في سلطة الحوثيين.هذه الحماية المتبادلة ترسم صورة كاملة لنظام فساد منظم يديره المحافظ، حيث لا مجال للشفافية أو المساءلة.
قاضٍ يحقق ثم حادث
في يونيو 2024، أي قبل عامين من تعيين المغربي، تسلم القاضي محمد العيدوس وكيل نيابة الجبين الابتدائية بمحافظة ريمة ملف قضية يتعلق بـ”فساد والتصرف غير المشروع في الديزل المخصص لمستشفى الثلايا”. بعد تسلمه الملف مباشرة، تعرض القاضي العيدوس لحادث مروري. مواطنون طالبوا شككوا في ملابسات الحادث، متسائلين: هل كان عرضياً أم محاولة لإسكات قاضٍ حاول كشف الحقيقة؟
هذه الحادثة، سواء كانت عرضية أم غير ذلك، ترسم مصير من يحاول كشف الفساد في ريمة تحت حكم الحباري. القاضي العيدوس لم يكن الأول. بعده، كان هناك عشرات العاملين الصحيين الذين تحدثوا فتم اعتقالهم. وقبلهم، كان هناك مديرون في القطاع الصحي تم تغييرهم تعسفياً و غادروا .
أدوية المرضى تذهب للحرب
لكن الوقائع الأكثر خطورة كشفها خبر صحفي نشره الموقع الرسمي لجماعة الحوثيين “موقع انصار الله ” في يوم الاحد الموافق26 مايو 2019 حيث أعلن أن مستشفى الثلايا العام أرسل “قافلة طبية كبرى” لدعم من اسماهم “أبطال الجيش واللجان الشعبية” في ميادين القتال. القافلة اشتملت على أدوية ومواد طبية كانت مخصصة للمستشفى بموجب اتفاقيات مع منظمات إنسانية دولية.
واعترفت حسب الموقع الحوثي مديرة المستشفى آنذاك، الدكتورة ليزا عوض (الاسم الأول في القائمة)، بأن هذا الإجراء تم “رغم شحة الإمكانيات وانقطاع الأدوية وعدم وجود مرتبات” في المستشفى.
هذا الاعتراف الرسمي يكشف عن واحدة من اكثر الطرق قلقاً لتحويل المساعدات الإنسانية المخصصة للمدنيين إلى أغراض عسكرية، وهو انتهاك جسيم للقانون الإنساني الدولي. فالأولوية لم تكن للمرضى، بل لـ”رفد الجبهات.
ديزل الصحة العالمية يباع
كيف كان يتم تمويل هذه القوافل؟ الإجابة تكمن في آلية وُصفت بأنها “قوننة للفساد” ,تقدم منظمة الصحة العالمية دعماً شهرياً لمستشفى الثلايا يبلغ 7 آلاف لتر من الديزل، لتشغيل المولدات والأجهزة الطبية. لكن هذه الكميات لم تكن تُصرف كاملة في تشغيل المستشفى.
تكشف مصادر مطلعة أن قرابة ثلثي الكمية (أكثر من 4,600 لتر شهرياً) كانت تُحول للبيع لتجار داخل المحافظة. ويبلغ سعر اللتر الواحد من الديزل حالياً 475 ريالاً، وبالتالي تبلغ قيمة المبيعات الشهرية حوالي 2,185,000 ريال (نحو 4,046 دولاراً). هذه الأموال تذهب إلى النافذين، وجزء كبير منها إلى المحافظ فارس الحباري.**
قدم الدكتور محسن العزيزي حينها تبريراً مفاده أن المستشفى مزود بمنظومة طاقة بديلة، وأن عائدات البيع تُودع في حساب جاري بالبنك المركزي. لكن هذا الحساب، حسب اعتراف الإدارة نفسها، لا يخضع لأي رقابة من مكتب المالية أو الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة. بل يخضع فقط لإدارة المستشفى.
والأكثر إشكالية أن المرضى لم يكونوا يتلقون الخدمات مجاناً. كانوا يدفعون مايعرف بـ “مساهمة مجتمعية” تعادل ما يدفعونه في المستشفيات الخاصة. أي أن المستشفى كان يجني أموالاً من المرضى، ويبيع ديزل المنظمات، وأدوية المنظمات، وكلها تذهب إلى حسابات غير خاضعة للرقابة.
ثلاث طبقات للاستيلاء
طبقة كبار: الاستيلاء على المساعدات الدولية. فقد كُشف في أكتوبر 2020، أن الجامعة نهبت الموارد المالية والأجهزة الطبية والأدوية وسجلت أسماء صورية للاسيتلاء على المخصصات.
طبقة متوسطين: تمارس ماوصفه الرجل بالـ ابتزاز اليومي. يصف شاهد عيان: مسؤولون يزورون المستشفى ظاهرها ‘تفقد’. لا يغادرون دون مبالغ تتراوح بين 80 ألفاً و300 ألف ريال (148-556 دولاراً) لكل زيارة. تصل إلى خمس زيارات شهرياً. بعضهم يقول إنه جاء لضبط الفساد! من “حيرف أتى يراقب المستشفى” ، يقول الشاهد.
طبقة منفذين: الاستيلاء على رواتب العاملين. يكشف عاملون صحيون أن رواتبهم الممولة من المنظمات تصلهم بحوالات، ثم يُجبرون على إعادة دفع النصف أو أكثر للإدارة. من يرفض يُشطب ويُستبدل.
أغلب هذه المبالغ تذهب في النهاية إلى رأس الهرم في السلطة المحلية الحوثية ولانشطة حربية حوثية.
ضحايا الفساد يموتون على الطريق
هذا النظام المنظم له ثمن مباشر: أرواح المواطنين.ففي مارس 2020، عض كلب مسعور الطفل خليل (11 عاماً). بعد شهر، ظهرت أعراض داء الكلب. نُقل إلى مستشفى الثلايا. قال الطبيب: لا توجد فحوصات أو لقاحات. أُسعف إلى الحديدة ثم صنعاء. وصل جثة هامدة.”الهاتف رن الساعة 3 فجراً وسمعت والدي يقول لي الحمدلله فانصدمت” ، يتذكر خاله محمد.
أم حامل تموت في الطريق
قبل شهر من وفاة خليل، وتحديداً في فبراير 2020، كانت فادية (29 عاماً) في شهورها الأخيرة من الحمل. لم يكن في المستشفى أخصائية نساء وولادة. هرع أهلها إلى الحديدة. في الطريق، فارقت الحياة.”صرخت ابنتي أخر صرخاتها وغابت عن الوعي” ، تروي والدتها في قصة صحفية نُشرت سابقاً في ريمة بوست.
لماذا لا توجد أخصائية؟ لأن إدارة المستشفى أخفقت في إدارة منحة للطوارئ التوليدية من صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA). المشروع أقفل بسبب الفساد. والميزانية التشغيلية (2,000 دولار شهرياً) لا تكفي لدفع راتب طبيب واحد.
شاب يموت بلدغة ثعبان
قبل ستة أشهر من حادثة فادية، وتحديداً في أغسطس 2019، لدغ ثعبان الشاب سليمان (24 عاماً) في مديرية مزهر. كان على وشك الزواج. هرع به والده إلى المستشفى. قالوا: لا يوجد مصل مضاد للسموم. أُسعف إلى الحديدة. في الطريق، مات.
“سرنا من محل إلى محل. وكلهم يقولوا مابش علاج.. جننونا. كنا ناويين نفرح به ونزوجه هذه السنة” ، يقول والده أحمد.
69% من الأطفال يتقزمون
في 2 أبريل 2025، كشفت منظمة الأمم المتحدة للامومة والطفولة “يونيسف” أن ريمة تسجل أعلى معدل تقزم في اليمن: 69%. أكثر من ثلثي أطفال المحافظة يعانون ضرراً دائماً في نموهم.
استثناء مقلق
في 3 يونيو 2018، صدر قرار حوثي رقم 69 لسنة 2018 من بتعيين فارس الحباري محافظاً لريمة. الحباري هو المحافظ الوحيد في اليمن الذي يُعين لمحافظة غير محافظته. هذا حرمان لأبناء ريمة من حقهم في إدارة شؤونهم. وكان هدفه ومايزال كم يبدوا :الاستيلاء على الموارد وتحشييد المجتمع وهذا يفسر “غيابه المتكرر” عن المحافظة، كما ذكرت وزارة الصحة الحوثية عام 2022، وإصراره على تعطيل الإصلاح.
من يحاسب؟
في النهاية، يختصر أحد العاملين الصحيين كل ما حدث بعبارة مريرة: من حيرف (من خلا جيبه من المال) أتى يراقب المستشفى”. فاسدون يأتون لمراقبة الفساد. والضحايا هم أبناء ريمة. فادية ماتت. سليمان مات. خليل مات. أميرة فقدت أطفالها. و69% من الأطفال يتقزمون.
الآن، جاء المدير العاشر، ضياء المغربي. هل سيكون مختلفاً؟ أم سينضم إلى من سبقه، ليغادر بعد بضعة أشهر، بعد أن يكون قد سلم الأموال للحباري، وأدار بيع الديزل، وسهل الاستيلاء على رواتب العاملين، وأرسل الأدوية إلى الجبهات؟
السلطة الحوثية في صنعاء قادرة على محاسبة فارس الحباري.هي من عينته، وتستطيع إقالته. وإذا كانت وزارة الصحة قد اعترفت بالفساد عام 2022، فلماذا لا يزال الحباري في منصبه؟ الجواب: لأن هذا الفساد يُراد له أن يستمر. لأنه مصدر تمويل للحرب. ولأن الحباري يؤدي مهمته: الاستيلاء على موارد المستشفى وتحويلها للاعمال العدائية.




















