جلب المياه في ريمة: معاناة تلاحق الفتيات

‏  7 دقائق للقراءة        1383    كلمة

بأنفاس متسارعة وجسد منهك تضع خديجة دبة الماء (20لتر) من على رأسها، بعد أن قطعت مسافة طويلة تقارب نصف ساعة مشيًا على الأٌقدام، وهي المسافة الواقعة بين منزلها في قرية دعرس، وعين الماء الموجودة في وادٍ يسمى “وادي الماء” ويقع أسفل القرية في عزلة بني شرعب بالجبين.

 

خديجة أحمد، 18 عامًا، واحدة من الكثير من الفتيات اللاتي يعشن الحياة الريفية في ريمة بكل ظروفها في بيئة جبلية قاسية تخلو من الخدمات الأساسية، “كل يوم أجلب الماء، واحمله على رأسي، وأكثر ما يتعبني أن البيت بعيد ومرتفع كثير عن العين اللي نجلب منه الماء” تقول خديجة.

 

تضيف في حديثها لـ “ريمة بوست” عن قصتها مع مهمة جلب الماء كل يوم: “خرجت من المدرسة، ما قدرك أكمل الدراسة (ما استطعت)، لأن أهلي يحتاجوني أعاونهم (أساعدهم) في البيت، وخارج البيت، وأيضا المدرسة بعيد عن بيتنا، ما بش معي وقت للدراسة، وأكثر وقتي يسير وأنا أجلب ماء للبيت”.

 

تعيش خديجة في عائلة كبيرة تستهلك كميات كبيرة من الماء يوميًا سواء للغسيل والشرب وسقي الأبقار والأغنام…الخ، غير أن مهمة جلب الماء من العين (الغيل) تبقى على عاتق “خديجة” وحدها، حيث تذهب صباح كل يوم وقبيل الغروب حاملةً وعاء الماء (دبة 20 لتر) على رأسها، كما إن سيرها تحت أشعة الشمس إضافة إلى ارتدائها لثامًا يغطي وجهها يتسبب في كتمان أنفاسها، ويزيد مهمة جلب الماء مشقةً وعناء. حد وصفها.

 

لا تقل معاناة الطالبة أميرة محمد، 16 عامًا، عن “خديجة”، إذ تقول إن واجبها يوميًا جلب 60 لترًا من الماء من العين (غيل الماء) القريب من منزلهم بمنطقة الغربي بالجبين، وهو ما يشكل لها معاناة كبيرة، مشيرةً “أقوم الساعة ستة، قبل ما تشرق الشمس والجو بارد، وأعبي ثلاث شلات(مرات) من المَعين (عين الماء) “.

 

وتضيف أميرة، أنها أحيانًا تشعر بآلام في الظهر من كثرة حمل دبات الماء الثقيلة، وهو ذات الأمر الذي تشكو منه “خديجة”، حيث تشير إلى أن حمل دبة الماء على رأسها في طرق وعرة جبلية يؤثر على صحتها ويسبب لها آلامًا في الرقبة والرأس.. “أحس بألم في رأسي، ورقبتي، وألم في ظهري، عندما ارفع شيء ثقيل، أو أحمل الماء”.

 

ويعتبر حمل الأشياء الثقيلة بشكل عام سبب رئيس للانزلاقات الغضروفية للفقرات القطنية، ولا تقف هذه المشكلة فقط عند الغضاريف؛ وإنما تتأثر المفصلات، ويحدث احتكاك بين الفقرات؛ الأمر الذي يؤدي إلى حدوث آلام أسفل العمود الفقري، وفقًا لمقال طبي للدكتور تامر أبو هميلة استشاري جراحات العظام والعمود الفقري، نشر على موقع كونسلتو.

 

جلب الماء يحرم الفتيات من التعليم

 

دونما شعور بسلبية القرار التي اتخذته، لا تخفي فاطمة أحمد، 40عامًا، ربة بيت، أنها قامت بإيقاف ابنتها التي لم تكمل المرحلة الإعدادية؛ من مواصلة التعليم من أجل احتياجها لها لمساندتها في جلب الماء والقيام بأعمال البيت، مبررةً أنها ابنتها الوحيدة وليس لها من أحد يساعدها.

 

ويرى الناشط الحقوقي، طارق عبد الخالق، إن الفتيات في الريف اليمني عمومًا يعانين في جلب المياه من غيول مائية أو سدود بعيدة نسبيًا عن منازلهن، ما يؤثر على حياتهن بشكل عام، سواء من خلال ايقافهن عن الدراسة أو حرمانهن من الاستمتاع بطفولتهن بدلًا من الذهاب لجلب الماء وسط مخاطر عدّة، مشيرًا إلى أن الأطفال أيضًأ في الغالب يعانوا من ذات المشكلة.

 

ويضيف في تصريح لـ “ريمة بوست”، أن بالرغم من تراجع نسبة الأسر التي ترغم فتياتها على التوقف عن الدراسة من أجل مهمة جلب الماء وغيرها من المهام المنزلية خلال العقد الماضي؛ إلا أن هذه الممارسات عاودت في الانتشار خلال الأعوام الأخيرة لأسباب عديدة، أبرزها – حد قوله – تردي العملية التعليمية بشكل كبير، بحيث ترى الأسر أن حضور الفتيات للمدرسة يتساوى مع غيابهن.

 

في السياق ذاته تشير دراسة قديمة أجراها الصندوق الاجتماعي للتنمية، إن أحد أسباب حرمان فتيات الريف من التعليم هو بُعد مصادر المياه الأمر الذي جعل الأهالي لا يسمحون – مرغمين – لبناتهم بالالتحاق بالتعليم لكي يجلبن المياه ويساعدن في القيام بالمهام المنزلية.

 

إلى ذلك تأمل “خديجة” أن تحل مشكلة انعدام المياه مع كثير من الخدمات الأساسية التي لا تعرف طريقها للقرى البعيدة والنائية والمترامية على قمم الجبال، لعلها تنام يومًا بهدوء وقلبها فارغ همّ النهوض باكرًا لجلب الماء، موضحةً أن أكثر ما تشعر بالندم حياله هو أنها لم تستطع إكمال دراستها.

 

مشكلة ولا حلول تلوح في الأفق

 

بحسرة تروي الثلاثينية أم خلود، واقعة وفاة ابنتها “خلود” ذات التسعة أعوام، غرقًا عام 2017م، أثناء جلبها الماء من إحدى البرك المائية في قرية المنظرة بالجبين، تقول “كان وقت الظهر، سارت خلود للبركة تدي ماء وتأخرت، خرج أبوها بعدها يدروها، ولما وصل كانت قد غرقت، وجد حقها الدبة (وعاء جلب الماء) على الصرح (درج البركة) فقفز للبركة وأخرجها”.

 

تواصل حديثها عن تلك الواقعة التي تصفها بالصدمة الأليمة: ” أخرجها ولكنها كانت قد فارقت الحياة، خلود كانت صغيرة وتدرس في الصف الأول الابتدائي، ولا تعرف السباحة”. وتعتبر الطفلة “خلود” واحدة من العديد من الحالات التي فارقت الحياة غرقًا في البرك المائية والسدود، خصوصًا أن الفتيات والأطفال دائمًا من يتحملون مشقة جلب الماء إلى المنازل، سواء على ظهورهم أو على ظهور الحمير، وهو ما تسبب في وفاة العديد منهم غرقًا في البرك أو الخزانات “المعاقيب”، في معظم القرى والعزل.

 

وبحسب بيانات رصدتها منصة “ريمة بوست”، اعتمادًا على الأخبار التي نشرتها عن ضحايا الغرق في البرك والسدود بريمة خلال الفترة من ديسمبر 2019 وحتى أغسطس 2020، فإن 10 أشخاص نصفهم نساء والنصف الآخر من الأطفال، قضوا غرقًا في مناطق ريفية متفرقة بالمحافظة، وهي إحصائية غير رسمية. إذ لا تتوفر إحصائيات رسمية عن تلك الحوادث بسبب عدم وصول الحالات إلى المراكز الصحية، وفقا لمكتب الصحة.

 

وتشكّل مهمة جلب المياه من العيون المائية والسدود نمط حياة لشريحة كبيرة من فتيات الريف اللاتي يتكبدن فيها العناء والتعب، بل وتلقى البعض منهن حتفها غرقًا من مختلف الأعمار في السدود أو البرك، أو بزلة قدم طلوعًا أو نزولاً في الطرق الجبلية الوعرة.

 

إلى ذلك، يقول عبده يحيى، 45 عامًا، وهو موظف في مكتب المياه والصرف الصحي بريمة، إن مد شبكة المياه إلى المنازل والقرى بدأت في مركز المحافظة وهناك إقبال لا بأس به من الناس، فيما تبقتٍّ القرى البعيدة المترامية إذ أن وصول شبكة المياه إليها يحتاج إلى ميزانية ضخمة، في حين يتعذر استكمال المشروع في ظل الظروف الحالية.

 

بالمقابل يوضح المواطن، حفظ الله صالح، 40 عامًا، من قرية المنزل، أن منذ ما يقارب 7 أعوام تم إنشاء بعض الخزانات لتجميع مياه الأمطار في مناطق قريبة وغير وعرة من قبل الصندوق الاجتماعي للتنمية وقد ساهمت في حل مشكلة المياه، ولكن عمل الصندوق في ظل الوضع الحالي شبه متوقف. وهو الأمر الذي يجعل المواطنون على قيد الأمل بالحصول على واقعٍ جديد يحل هذه المشكلة التي تعاني منها فتيات الريف.