تمر اليوم الذكرى الخامسة لرحيل القامة الوطنية السامقة، الفريق يحيى مصلح مهدي، ولا يزال صدى حضوره يتردد في ردهات المؤسسات العسكرية والمدنية التي شيد مداميكها بجهد الصابرين وحكمة المخلصين. خمس سنوات انقضت منذ ذلك اليوم الحزين في فبراير من عام 2021، حين أطبق الموت جفني رجلٍ لم يعرف الغموض يوماً في ولائه، ولم يتبدل في قناعاته الوطنية، ليرحل تاركاً خلفه إرثاً سياسياً وعسكرياً يمثل اليوم مرجعاً لكل من يبحث عن نموذج “رجل الدولة” الذي صهرته التجارب في بوتقة الجمهورية، فخرج منها ذهباً خالصاً لا يصدأ بمرور الزمن ولا يتبدد بتعاقب الأجيال.
لقد كانت مسيرة الفريق يحيى مصلح، منذ بواكيرها الأولى في صفوف القوات المسلحة، تجسيداً حياً للعقيدة العسكرية التي لا ترى في الرتبة تشريفاً بل تكليفاً مقدساً لحماية تراب الوطن وسيادته. لم يكن الفقيد مجرد ضابط تدرج في الرتب العسكرية وصولاً إلى أعلى مراتبها، بل كان معلماً في مدرسة الانضباط، مؤمناً بأن الجيش هو السياج المنيع الذي يحمي أحلام الشعب في الحرية والعدالة. ومن هذا المنطلق، خاض الفقيد غمار العمل العسكري في مراحل مفصلية من تاريخ اليمن الحديث، حيث كان يتقدم الصفوف برباطة جأش القائد، وبرؤية السياسي الذي يدرك أن القوة العسكرية هي الأداة التي يجب أن تسخر لصون السلام الاجتماعي وبناء مؤسسات الدولة، لا لتقويضها أو ارتهانها للصراعات الضيقة.
وعندما انتقلت مهامه من خنادق الدفاع إلى ميادين البناء الإداري، أثبت الفريق يحيى مصلح أن القائد الناجح هو من يمتلك القدرة على احتواء التناقضات وتحويلها إلى طاقات منتجة. فخلال توليه قيادة محافظات محورية مثل ذمار وإب، لم يكن يتعامل مع منصبه كمحافظ بذهنية المتسلط، بل بقلب الأب وعقل الحكيم. يروي المعاصرون لفترته كيف استطاع بحنكته الفذة إخماد بؤر التوتر القبلي، وإرساء دعائم السكينة العامة في مناطق كانت تئن تحت وطأة النزاعات الثأرية. كان الفقيد يؤمن أن “هيبة الدولة” لا تُفرض بالترهيب، بل تتحقق حين يشعر المواطن أن القانون يحميه وأن المسؤول يقاسمه همومه اليومية. لذا، بقيت سيرته في تلك المحافظات محفوفة بالتقدير، حيث يُستذكر كباني نهضة إدارية، وصاحب “اليد البيضاء” التي لم تلمس مالاً عاماً إلا لتوظيفه في خدمة التنمية والناس.
وفي الجانب الدبلوماسي والسياسي، مثّل الفريق يحيى مصلح اليمن في محافل دولية عدة، سفيراً فوق العادة، يحمل في حقيبته هموم وطنه وأصالة شعبه. فمن الدوحة إلى براغ، كان صوته رزيناً وعقله متفتحاً، استطاع من خلالهما بناء شبكة واسعة من العلاقات التي خدمت المصالح العليا لليمن. لم يكن دبلوماسياً تقليدياً، بل كان “سفيراً للهوية”، يدرك أن مكانة الدول تُبنى بصدق التوجه ووضوح الرؤية. وعندما عاد إلى الداخل ليشغل عضويته في مجلس الشورى، كان بمثابة “البوصلة” التي يُهتدى بها في ليل الأزمات السياسية، مقدماً مشورته الصادقة التي كانت تغلّب دوماً لغة الحوار والتصالح على لغة الصدام والفرقة، مؤكداً في كل مناسبة أن اليمن أكبر من الجميع، وأن بقاء الدولة هو الضمانة الوحيدة لكرامة الإنسان.
إن ما قاله الناس في حق الفقيد بعد رحيله، وما كُتب عنه في الذكرى الخامسة لرحيله، يبرهن على أن الشعوب لا تنسى من أخلص لها. لقد أجمع السياسيون والمثقفون وحتى البسطاء من المواطنين على أن الفريق يحيى مصلح كان “رجل المواقف الصعبة” الذي لا يتوارى حين تشتد الخطوب. وصفه رفاقه بأنه “الرجل الذي لم يبع نفسه يوماً في سوق الولاءات المتقلبة”، وأنه حافظ على نقاء سريرته السياسية حتى النفس الأخير. وفي الأوساط الشعبية، يظل ذكره مقترناً بالتواضع والنزاهة، حيث يتردد اسمه في مجالس اليمنيين كقدوة للمسؤول الذي عاش عفيفاً ورحل شريفاً، دون أن تلوث بريق رتبته العسكرية أو مكانته الاجتماعية أي مطامع زائلة، مما جعله “أسطورة حية” في الوفاء للجمهورية.
اليوم، ونحن نحيي الذكرى الخامسة لرحيل هذا العملاق الوطني، فإننا لا نستذكر شخصاً غاب عنا، بل نستحضر نهجاً نحتاج إليه اليوم أكثر من أي وقت مضى. إن حياة الفريق يحيى مصلح مهدي هي رسالة بليغة لكل الأجيال الصاعدة في المؤسسة العسكرية والمدنية، مفادها أن الخلود ليس في طول العمر، بل في عظم الأثر. رحل الفريق وبقي أثره منقوشاً في وجدان الأرض، وفي قيم الصدق والإخلاص التي زرعها في كل من عرفه. إن الوفاء الحقيقي لذكراه يتمثل في استلهام دروس حياته، والتمسك بالثوابت الوطنية التي لم يحد عنها قيد أنملة، ليبقى اسم الفريق يحيى مصلح منارةً تضيء دروب العزة والكرامة في تاريخ اليمن المعاصر.




















