بين أحضان الضباب وشموخ جبال “الجبين” في قلب محافظة ريمة، تنبثق عزلة حورة كشاهد حي على عبقرية الإنسان اليمني في تطويع المستحيل.
هي ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي “موطن الاستقرار” الأول الذي يمتد في عمق التاريخ، متربعةً في الجهة الجنوبية للمديرية كحارسٍ أمين يطل على آفاقٍ من الجمال والجلال. تحيط بها من الشرق عزلة “قطو”، ومن الجنوب تلامس تخوم “المغارم” في كسمة، بينما تغازل غرباً “بني جديع” في الجعفرية، لتمتد شمالاً نحو مركز المحافظة وعزلتي “الذاري” و”الحدادة”، في تناغمٍ جغرافي فريد جعل منها قلب ريمة النابض بالحياة.
تختزل حورة في مساحتها المتواضعة التي لا تتجاوز 11 كيلومتراً مربعاً ملحمةً بشرية نادرة؛ فبرغم أنها لا تمثل سوى 3% من مساحة مديرية الجبين، إلا أنها تحتضن في جنباتها كثافةً سكانية مذهلة تصل إلى 623 نسمة لكل كيلومتر مربع. هنا، حيث يتوزع أكثر من 6854 نسمة على 15 قرية و95 محلاً سكنياً، تظهر المعجزة الديموغرافية في أبهى صورها؛ إذ يسكن أكثر من 8% من سكان المديرية في هذا الحيز الجغرافي الصغير، مشكلين نسيجاً اجتماعياً متلاحماً يسكن القمم والمنحدرات، ويتوزع على 1028 أسرة تعمر 986 مسكناً يمانياً أصيلاً.
إنَّ اسم “حورة” في حد ذاته هو لغزٌ فكَّت شفراته نقوش اليمن القديم؛ فبينما تحوم المعاجم اللغوية حول معاني “الرجوع” أو “البياض”، نجد في لغة النقوش الحميرية والسبئية الحقيقة الجلية: (حور) تعني سكن واستوطن.
ومن هنا، فإن “حورة” هي “الوطن” و”المستقر الدائم”، وهو توصيفٌ دقيق لمكانٍ لم ينقطع فيه نبض الحياة منذ العصور السبئية. ويتجسد هذا العمق التاريخي في أسماء محلاتها التي تصدح بعبق الماضي؛ كـ “تولب” المنسوب للإله “تالب ريم”، و”ذي حمر” الذي يحمل نسباً حميرياً ملكياً يعود إلى “حمر بن عدي بن مالك”، وصولاً إلى “الشراحي” الذين بسطوا حكمهم كملوكٍ لتهامة وجبلان ردحاً من الزمن، متخذين من “العركبة” عاصمةً لهم.
وعلى وقع خرير مياه وادي “الرباط” وروافد وادي “علوجة”، تكتمل الأسطورة الاقتصادية لحورة؛ حيث يتحول التنوع المناخي من برودة القمم العالية إلى دفء السفوح الخصيبة إلى دورةٍ إنتاجية لا تهدأ. هنا، يُزرع القمح والشعير في الأعالي، بينما ينحدر “الذهب الأحمر” نحو الأودية؛ فـ “بُن حورة” ليس مجرد محصول، بل هو هويةٌ وثقافة خلدتها قصائد الشعراء وتغنى بها الركبان. وما تزال قرى مثل “نُمول”، “الجمعة”، “سعد”، “متور”، و”المنهز” تقف شامخة كقلاعٍ حضارية تحرس مزارع البُن وتصون ذاكرة الأرض التي قيل فيها يوماً: “بُن حورة وبستانها متور.. ملكنا مثلما ملكنا عنتور”، لتظل حورة عنواناً خالداً للإنسان الذي نحت من الصخر وطناً، ومن التاريخ مجداً لا يبلى.




















