المغارم.. “قلب ريمة” النابض بين حصون التاريخ وسياج العزلة

‏  3 دقائق للقراءة        595    كلمة

بين ذرى جبال “كسمة” الشاهقة وفي قلب محافظة ريمة، تتمدد عزلة “المغارم” كلوحة إخضرار أزلية، تتداخل فيها الوديان السحيقة مع القلاع التاريخية التي تحكي قصة صمود إنسان هذه الأرض. ليست “المغارم” مجرد تقسيم إداري، بل هي كيان اجتماعي وتاريخي معقد، يمثل اليوم نموذجاً فريداً لقرى المعلقات اليمنية.

حيث تعانق “المغارم” السحاب

تتربع المغارم في الجزء الشمالي من مديرية كسمة، بمساحة تقدر بـ 24 كم²، وهو ما يمثل 11% من إجمالي مساحة المديرية. لكن الأرقام لا تحكي القصة كاملة؛ فالتضاريس هنا هي الحاكم الفعلي. يحدها من الشرق “المخلاف” (مركز ريمة التاريخي)، ومن الغرب “بني أحمد”، بينما تطل شمالاً على جبال الجبين والجعفرية.

هذه المركزية الجغرافية جعلتها عبر العصور حلقة وصل استراتيجية، وموطناً لأكثر من 12,794 نسمة (حسب تعداد 2004)، يتوزعون على تجمعات سكانية كثيفة (533 نسمة/كم²)، يعيشون في تناغم بين 189 محلاً سكنياً وقرى رئيسية هي: (بني العمري، بني حكم، جبل الطلح، بني الأشقري، حمير، وبني سهيل).

 

العقد الاجتماعي الذي لم ينفرط

يبرز الباحث حيدر العزي خصوصية فريدة في تسمية “المغارم”؛ فهي تسمية إدارية ضاربة في القدم، تعود إلى نظام تقسيم “المغارم” الذي كان يعتمد على توزيع المسؤوليات والتكافؤ القبلي. ورغم تطور أنظمة الزكاة والتعداد، ظل إنسان المغارم متمسكاً بأسماء مغارمه الستة، مفضلاً إياها على مسمى “القرية”، في إشارة واضحة إلى قوة الرابطة الاجتماعية والولاء للمكان الذي يتجاوز الأطر الإدارية الحديثة.

من “الشبوة” إلى “وادي العرب”

لا يمكن الحديث عن المغارم دون استحضار “حصن الشبوة”، تلك القلعة الأثرية التي شهدت صراعات العصر الرسولي. يسجل التاريخ أنه في عام 838هـ، خضعت حصون ريمة ومنها الشبوة للسلطان الظاهر الرسولي بعد تمردات طويلة، مما يثبت أن هذه المنطقة كانت دوماً “مفتاح السلطة” في الجبل.

كما يحمل اسم “مغرم حمير” دلالات عميقة على استيطان الحميريين القدامى، الذين اتخذوا من “قلعة المنار” مركزاً لنفوذهم. ولعل المثير للدهشة في توثيق العزي، هو اكتشاف “وادي العرب” ضمن محلات بني سهيل، وهو الاسم الذي ذكره الهمداني قديماً في “صفة جزيرة العرب”، مما يفتح آفاقاً جديدة للبحث الأثري حول جذور الاستيطان العربي الأول في أعماق ريمة.

اقتصاد البُن وجمال الطبيعة

تعد المغارم واحدة من أهم قلاع إنتاج البن اليمني الأصيل. بفضل ينابيعها الجارية ومدرجاتها الزراعية، تحولت العزلة إلى منطقة سياحية بكر. وقد وثقت القصائد الشعبية، المحفوظة في صدور الرجال ووثائق البيوت (كقصائد آل عفيف)، جمال هذه الأرض التي تجمع بين خشونة الجبل ورقة الطبيعة.

التحدي المعاصر: بين الأصالة والاحتياج

رغم هذا الثراء التاريخي، تظل المغارم نموذجاً للعزلة الجغرافية التي يسكنها “الغموض”. فبينما تفتخر بأسرها العلمية مثل “بني العمري” المنتسبين للفقيه محمد بن عبدالله العمري، إلا أنها لا تزال تبحث عن دور أوسع في التنمية والنشر الثقافي.

إن “المغارم” اليوم ليست مجرد جبال ومدرجات، بل هي خزان بشري واجتماعي هائل، يحمل مفاتيح فهم التحولات القبلية والسياسية في ريمة. وكما يقول المؤرخ العزي، تظل هذه العزلة بحاجة إلى مزيد من التنقيب في سلالاتها المقيمة وتاريخها الشفهي الذي لم يكتب بعد.