في التماس الجغرافي الفريد بين الجبل والوادي، تبرز عزلة الأبارة كواحدة من أهم الحواضر في مديرية “مزهر” الناشئة بمحافظة ريمة. بموقعها الاستراتيجي في الجنوب الشرقي للمديرية، ترسم الأبارة حدودها بمهابة؛ حيث يطوقها شمالاً “النوبة” و”يفعان”، وتجاورها غرباً “عزلة الرييم”، بينما ينساب “وادي رماع” في جنوبها كشريانٍ طبيعي يفصل بين عالمي ريمة وعتمة، لتكتمل لوحتها شرقاً بمعانقة “عزلة الأسلاف”.
توازن سكاني
لا تمثل الأبارة مجرد مساحة جغرافية تقدر بـ (19) كم² (أي نحو 7.3% من مساحة المديرية)، بل هي نموذج للاستقرار الديموغرافي؛ فوفقاً لبيانات التعداد العام، يقطنها نحو (5892) نسمة، بكثافة سكانية موزونة تصل إلى (310) نسمات لكل كيلومتر مربع. هذا النسيج البشري يتوزع على (802) أسرة تسكن في (746) داراً، في تناغمٍ عددي يعكس غياب أي اختلالات معيبة بين الأرض وسكانها.
الهوية الإدارية
ظلت الأبارة ردحاً من الزمن جزءاً من مديرية “كسمة”، حتى التحول التاريخي عام 2004م حين صدر القرار الجمهوري بإنشاء مديرية جديدة، كان للأبارة شرف اقتراح اسمها “مزهر” عبر الأستاذ مفضل الأبارة. واليوم، تتشكل العزلة من ست قرى رئيسية هي: (الذبوب، الشرقي، عيال أسد، المصنعة، السوداء، وسبن)، وينضوي تحتها (65) محلاً سكنياً تضج بالحياة.
حين ينطق الحجر بالنسَب
يغوص تاريخ الأبارة في أعماق الهوية اليمنية القديمة، فهي موطن بيت من ذرية “أبرهة الأصغر بن شرحبيل” سليل ملوك “ذي أصبح”، وهو ما أكده لسان اليمن الهمداني في “الإكليل” بأن سكنهم كان في جبال ريمة. وتكتنز العزلة بشواهد أثرية وتاريخية خالدة؛ من “جبل شهران” الأشم إلى منطقة “مرس” العريقة، وصولاً إلى حصون “المصنعة” التي يعكس اسمها في لغة النقوش القديمة معنى القلعة والمنعة، بالإضافة إلى مواقع ذات دلالات غائرة في القِدَم مثل (قصيع سعد، وسعيرة، ولكمة اليهود).
النسيج الاجتماعي
لطالما كانت الأبارة أرضاً جاذبة للقبائل والأسر، حيث يعود الأصل السكاني لغالبية أهلها إلى “خولان”، وتحديداً إلى الجد “معبش بن قرموش بن غالب” الذي استقر فيها قبل ثلاثة قرون، وتفرعت منه ست بطون (مغارم) أساسية.
وقد قدّم هذا المجتمع للوطن هامات أدبية ونضالية وبرلمانية، أمثال الشاعر محمد إسماعيل الأبارة، والبرلماني مفضل الأبارة، والشهيد العميد أحمد يحيى غالب الأبارة. كما تحتضن العزلة عائلات عريقة وفدت من عتمة والسلفية وغيرها، مثل (بني الهاملي، والأسدي، والواحدي، والعبدي، والأهدل، وبني الحكمي)، ليشكلوا جميعاً فسيفساء اجتماعية فريدة.
أرشيف المكان
تختزل أسماء محلات الأبارة ذاكرة الأرض؛ من “الدار” و”الشرف” إلى “نجوم الدين” و”ركبة ملوك”. أسماء مثل (كرايبس، وعروة، وشريق، وقمل، وحكامة) ليست مجرد عناوين، بل هي شواهد على حضارة إنسان ريمة الذي نحت من الجبال بيوتاً، ومن التاريخ مجداً لا يغيب.
المصدر: المؤرخ/ حيدر علي ناجي العزي




















