في تاريخ الثورات، هناك من يصنعون الحدث في الميادين، وهناك من يحرسون “ميلاد المعنى” في قلوب الناس. والشيخ يحيى محسن الجعماني (1940 – رحمه الله) ينتمي إلى تلك الفئة النادرة التي لم تكتفِ بحمل السلاح دفاعاً عن الجمهورية اليمنية، بل حملت ريمة – بجبالها وناسها – إلى قلب الدولة الحديثة، محولةً “الولاء التقليدي” إلى “شرعية مؤسسية”.
الميلاد في حضن الكهنوت
وُلد الجعماني في “بيت الجعماني” بمديرية الجبين بمحافظة ريمة عام 1940م، في زمن كانت فيه “الزكاة” هي اللغة الوحيدة التي تتحدث بها الدولة الإمامية مع مواطنيها. في هذا السياق المثقل بالأعباء، تبلور وعي الجعماني؛ لم يكن يرى في ريمة مجرد جغرافيا معزولة، بل رآها ضميراً حياً ينتظر لحظة الانعتاق. ومع اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962، لم يتردد؛ فكان من أوائل الذين استنهضوا الآلاف، وساروا بهم من ذرى ريمة إلى تهامة والحديدة للالتحاق بجيش الثورة.
صمام أمان “المصالحة”
تكشف الوثائق التاريخية (ومنها وثيقة يحيى منصر) أن الجعماني لم يكن قائداً عسكرياً فحسب، بل كان “رجل الدولة” في زمن الفوضى. في عام 1966، أُنيطت به مهام الإشراف على القضاء والزكاة في ريمة بقرار رسمي. لم تكن هذه المهمة إدارية بقدر ما كانت “سيادية”؛ فقد كان تدفق الزكاة آنذاك هو المعيار الوحيد لقياس الطاعة والولاء للجمهورية الوليدة.
لقد نجح الجعماني في أن يكون “صمام أمان”، حيث استطاع برمزيتة القبلية وأدائه التوازني امتصاص الاحتقان بين مشايخ ريمة والسلطة المركزية، ضامناً استمرارية تدفق الموارد للدولة دون الانزلاق إلى صدامات أهلية.
من الخندق إلى البرلمان
لم يكن دور الجعماني عابراً؛ فقد تجسد اندماجه في الدولة الحديثة عبر شغله مناصب قيادية في مجلس الشورى (1971) ومجلس الشعب التأسيسي (1981). كان يمثل نموذجاً لـ “النخبة الريفية” التي انتقلت من القيادة المحلية إلى الفضاء الوطني، مسهماً في صياغة “الميثاق الوطني” وتعزيز المشاركة السياسية خارج مراكز المدن.
أناقة المكان وسحر التأثير
في ذاكرة الأجيال، لا يُذكر الجعماني كقائد فحسب، بل كإنسان جم التواضع. يروي المعاصرون له عن مجلسه الأنيق في “الحيث” بالجبين، حيث كانت “الضيافة المدهشة” تمتزج برعايته الخاصة للتعليم والطلاب. كان يشعر الطفل الصغير بالزهو والاهتمام كما يشعر الوجيه بمكانته، وهو سحر خاص مكنه من بناء شبكة علاقات وطيدة مع كافة أطياف المجتمع الريمي، من اللواء يحيى مصلح إلى أصغر طالب في مدرسة الفتح.
إرثٌ يرفض النسيان
يمثل يحيى محسن الجعماني حالة دراسية ملهمة في كيفية تحول “الزعامة القبلية” إلى “فاعلية مؤسسية”. ورغم ما يشكو منه الباحثون من شح المادة التوثيقية عن ريمة، إلا أن مواقف الجعماني – خاصة في فك حصار السبعين حين رفد النظام الجمهوري بآلاف المقاتلين – تظل محفورة كعلامة فارقة.
لقد رحل الجعماني، لكنه ترك وراءه درساً في “النبل المتراكم”؛ أن تكون قائداً يعني أن تكون جسراً يعبر فوقه الناس من التهميش إلى الحضور، ومن القبيلة إلى الدولة.




















