فنان يمني يتحدى السائد في معرضه الأول بلندن بـ”حقوق الإنسان اليوم”

‏  4 دقائق للقراءة        719    كلمة

“العالم يبدو صاخباً بالقوانين والمواثيق، لكن أين تذهب تلك النصوص عندما تصل حافلة طفلة صغيرة إلى نبع الماء في يومها العاشر على التوالي؟”

 

من هذا السؤال الذي يخلع الأقنعة عن الفجوة بين المبادئ المجردة والواقع الملموس، انطلق المعرض الشخصي الأول للفنان اليمني ابن ريمة فؤاد الجعدي في العاصمة البريطانية، تحت عنوان “Human Rights Today”، خلال الفترة من 14 إلى 24 يناير 2026. لم يكن المعرض، الذي استضافته قاعة “ويست إند” للفنون، مجرد مجموعة أعمال تعلق على الجدران، بل كان فضاءً للاستجواب والتبصُّر، أقرب إلى مناظرة بصرية صامتة تُديرها عيون أطفال يمنيين التقطتها عدسة الجعدي، وتحيط بها خطوط عربية تحوّلت إلى كائنات تشكيلية تحمل أسئلة الوجود والهشاشة.

 

هنا، في قلب لندن الثقافي، نجح الجعدي في تحويل قاعة العرض إلى مختبر أنثروبولوجي معاصر. كان الزائر مدعواً ليس للمشاهدة فقط، بل للسير داخل طبقات من السرد المتداخل: من الصورة الفوتوغرافية الوثائقية الحادة، إلى تجريدات الخط العربي التي تتحول إلى آثار أقدام متعبة أو أشجارٍ جذوعها من حروف مكسورة، وصولاً إلى المنشآت البصرية التي تستخدم مواداً بسيطة تحاكي بيئة الطفولة في اليمن. كل ذلك تحت مظلة سؤال رئيسي: **ما هي القيمة الفعلية لحقوق الإنسان في عالمنا الحالي؟**

 

توثيق ما بعد الكارثة: عندما تكون الطفولة شاهداً

 

يحتل المشروع الفوتوغرافي قلب المعرض، مقدماً رؤية تتجاوز الصورة النمطية للصراع. لا نرى الدمار مباشرة، بل نرى أثره المنعكس على حياة الصغار. يقدّم الجعدي بورتريهات حميمية لأطفال تحولت حياتهم إلى مسرح للمسؤوليات المبكرة: طفلة تحمل وعاء الماء بثقلٍ يفوق سنها، وصبيّ يحتضن أخاه الرضيع بنظرة حامية، وآخرون يبدعون عالماً لعبياً من بقايا الحرب. هذه الصور ليست تسجيلات إخبارية عابرة؛ إنها أرشيف لـ “اللحظة العادية” داخل “اللحظة الاستثنائية”، محتفيةً بتفاصيل الكرامة اليومية كشكل من أشكال الصمود.

يقول مُنظِّم المعرض، ممثلاً عن مركز “وي ريستارت – مركز الفنون الملاذ”: “ما يقدمه فؤاد ليس تصويراً للمأساة، بل تصويراً للحياة رغم المأساة. إنه يلتقط تلك اللحظة الدقيقة حيث يرفض الإنسان، حتى وهو طفل، أن يُختَزَل إلى مجرد ضحية”.

 

من اليمن إلى العالم: الفن كجسر للذاكرة والمستقبل

 

يمثل هذا المعرض نقطة تحوُّل في مسار الجعدي، من فنان محلي يحمل هموم وطنه إلى صوت إنساني على منصة عالمية. لقد استطاع، بلغة بصرية قادرة على اختراق الحواجز اللغوية والثقافية، تحويل القضية اليمنية من عنوان إخباري إلى تجربة إنسانية مشتركة يمكن للزائر اللندني أن يلمسها ويتفاعل معها. الخط العربي في أعماله، بعيداً عن كونه زخرفة، يصبح صوتاً آخر؛ فالحروف المتشابكة والمتدافعة قد ترمز إلى تعقيدات الصراع، بينما الخط الواضح الصافي قد يمثل الأمل الراسخ.

 

يختتم المعرض بتقديم سؤال مفتوح للجمهور: بعد أن شاهدت، ما هو التالي؟” ليس المقصود إثارة العاطفة فحسب، بل تحريك الساكن نحو إعادة التفكير في مسؤوليتنا المشتركة كجماعة إنسانية. وهكذا، يغادر الزائر حاملاً معه أكثر من صورة جميلة؛ يغادر حاملاً إرهاق الطفلة في اليمن، وابتسامة الصبي التي تشبه انتصاراً صغيراً، وسؤالاً قديماً/جديداً عن معنى أن تكون إنساناً في عالم اليوم.

 

فؤاد الجعدي: فنان بصري ومصور فوتوغرافي ينحدر من محافظة ريمة اليمنية غربي البلاد، تتركز ممارسته الفنية على توثيق الأبعاد الإنسانية والاجتماعية في سياقات الأزمات، باستخدام وسائط متعددة لاستكشاف الذاكرة والهوية والصمود.

مركز We Restart – Art Centre of Sanctuary: منظمة فنية مقرها لندن تهدف إلى تقديم منصة وإبداء الترحيب بالفنانين الذين تعرضوا للنزوح أو الصراع، وتستخدم الفن كأداة للحوار والشفاء والتغيير الاجتماعي.