تُعد عزلة “بني الجعد” في مديرية الجعفرية نموذجاً فريداً للعلاقة بين الأرض والإنسان في ريمة؛ فهي العزلة التي اشتهرت بصلابة بأس أبنائها في الحروب، بقدر شهرتها بإنتاج أجود أنواع البن اليمني.
ويمتد تاريخ هذه العزلة في صراعات الدفاع عن السيادة والحدود إلى قرون مضت، حيث يذكر المؤرخ “الديبع” في أحداث عام 902هـ مواجهة دامية بين بني الجعد وبني واقد حول “حصن الطياش”، وهي الحرب التي استدعت تدخل السلطان الطاهري الظافر عامر بن عبدالوهاب بحملة عسكرية من زبيد، انتهت بصلح وتقديم رهائن، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية للحصون الجعدية منذ العصور القديمة.
ولم تقتصر صراعات العزلة على القوى الخارجية، بل امتدت لتشمل نزاعات محلية مع الجيران، مثل حربها التاريخية مع “بني سعيد” حول “جبل أسود” وقرى “يفوز ونعمة”. ويخلد الموروث الشعبي هذه الندّية في المثل القائل: “السعيدي يلطم مرة، والجعدي يستقضي لطمتين”، في إشارة إلى القوة والاسترداد اللذين يميزان الشخصية الجعدية.
وفي العصر الحديث، وتحديداً في ثمانينات القرن العشرين، شهدت المنطقة صراعاً مأساوياً بين بني الجعد واليمانية حول “مركز الحدية”، وهو الصراع الذي وثقه الأستاذ محمد زيد القليصي في أرجوزته التاريخية، واصفاً كيف تحولت الجبال إلى مرابض للنيران، وكيف تعطلت وسائل المعاش في سوق الحدية، وسقطت الأنفس وهُتكت الأعراض، حتى حسمت الدولة الموقف بالحبس والديات.
وبعيداً عن دوي الرصاص، تبرز بني الجعد كوجهة سحرية جذبت البعثات العلمية الدولية، لاسيما البعثة الدنماركية في القرن الثامن عشر (1763م). ويصف الكاتب “توركيل هانسن” في كتابه (من كوبنهاجن إلى صنعاء) كيف عاش العالم “فورسكال” ورفاقه أسعد لحظاتهم في وديان العزلة الخصبة مثل “الموجة والحدية”.
لقد ذُهل العلماء برائحة أزهار البن التي تملأ الأرجاء، وبالتنوع النباتي الفريد من سرخس وأركيديا، لدرجة أن الأهالي، لاستغرابهم من انشغال هؤلاء الأجانب بالنباتات والنجوم، ظنوا أنهم يبحثون عن أعشاب لصناعة الذهب، بينما كانت الطبيعة ذاتها هي الذهب الحقيقي الذي يغمر تلك الوديان التي وصفتها البعثة بأنها “جنة الله على الأرض”.
إن هذا التباين الصارخ في تاريخ بني الجعد، بين “عزلة الحرب” التي تضرب بـ “الأوالي” وتسترد الحقوق بقوة، وبين “عزلة الجمال” التي تفيض برائحة البن وتجذب الرحالة، يجعل منها دراسة حالة استثنائية في محافظة ريمة.
فهي تجسد إرادة البقاء والإنتاج في آن واحد، حيث يختلط عرق الفلاح ببارود المحارب، لتشكل في النهاية هوية منطقة ترفض الانكسار وتشرق بالجمال والخضرة رغم قسوة التضاريس وتقلبات التاريخ.




















